التأمين في العراق
اهلا بك عزيزي الزائر .. يمكنك التسجيل للاستفادة أكثر من امكانيات المنتدى والمشاركة فيه

حريق لندن كان الشرارة التي طورت صناعة التأمين

اذهب الى الأسفل

حريق لندن كان الشرارة التي طورت صناعة التأمين

مُساهمة من طرف ماجدة حسين ربيعة في الجمعة أغسطس 10, 2018 8:31 am

كتاب- حكاية صعود النقود في حياة البشر- الحلقة(4)
حريق لندن كان الشرارة التي طورت صناعة التأمين
التاريخ: 10 أبريل 2010
يتابع المؤلف تاريخ وتطور عمليات التأمين ضد المخاطر على اختلاف أنواعها.. ولعل أهمها كان التأمين البحري وقد بدأ من أواخر العصور الوسطى، واشتد ساعده مع عصر النهضة الأوروبية الذي تزامن ـ كما هو معروف ـ مع عصر الكشوف الجغرافية واتساع نطاق الحركة التجارية وخاصة بين الشرق الآسيوي البعيد وبين موانئ جنوب أوروبا..
ولاسيما تلك الواقعة على ضفاف البحر الأبيض المتوسط.. ويسوق المؤلف نموذجا لعقود التأمين البحري الأول وقد جسدته مسرحية شكسبير الشهيرة «تاجر البندقية» التي اشترط فيها المرابي شايلوك أن يتاقضى ديونه في حالة عدم السداد «رطلا» من لحم التاجر المدين الطيب أنطونيو.
تعرض الحلقة أيضا تاريخ نظم المعاشات التقاعدية وقوانين الرعاية الاجتماعية وتصحح ما استقر في الأذهان من أن بريطانيا هي التي سبقت إلى تلك النظم فيما توضح الحلقة أن أول من طرح هذه المفاهيم وقام بتنفيذها هو «أوتو بسمارك» مستشار ألمانيا منذ ثمانينيات القرن التاسع عشر..
وتختتم الحلقة بإشارة إلى ارتباط مصطلح حيازة المِلْكية وبين الحلم الذي يراود كل إنسان بأن يمتلك بيتا يصفه الإنجليز بأنه قلعة المرء وحصنه الحصين.
يسجل الكتاب أن أول أنواع التأمين بشكله المعروف في التاريخ كان يتعلق بالسفن الكبرى التي كانت تمخر عباب البحار.
وهو ما نرى أنه أمر منطقي باعتبار أن الرحلات البحرية ـ وخاصة تلك العابرة بين قارات العالم القديم ـ كانت معرضة أكثر من سواها لأنواء البحر وتقلبات الطقس ونزوات الطبيعة ـ دع عنك أيضا غارات القراصنة التي مازال عالمنا الراهن يرفع حاجبيه بدهشة ـ تاريخية كما قد نسميها ـ إزاء تجددها في مناطق القرن الأفريقي على وجه الخصوص.
صحيح أن قوافل البعير العابرة لبوادي الصحراء كانت بدورها تحتاج إلى تأمين.. لكن تلك القوافل كانت تجتاز مساحات أضيق نسبيا من مساحات البحار والمحيطات.. ثم ان تأمين قوافل الصحراء على صعيد اليابسة كان أمرا أيسر من ناحية الترتيبات الإجرائية ـ اللوجستية كما يقول المصطلح العلمي..
وأيضا من حيث التكاليف.. وذلك بالمقارنة مع تكاليف حراسة السفن الماخرة للبحر المحيط.. وهي التي كانت تجتاز أقطارا وحدودا وتخوما بحْرية وتحمل على متنها سلعا تجارية كانت ثمينة وباهظة الأسعار بمقاييس العصور الوسطى وما جاء بعدها من إرهاصات عصر النهضة في أوروبا على وجه الخصوص.
أول عقود التأمين
لهذا يعمد كتابنا ـ في سياق عرضه المطول لتاريخ الأموال النقدية في تطور الحضارة الإنسانية ـ إلى تحليل أول عقود التأمين مؤكدا أن تاريخها إنما يرجع إلى أوائل القرن الرابع عشر في إيطاليا ـ بمعنى موانئها المتوسطية وفي مقدمتها مدينة البندقية بطبيعة الحال.
يتضح من السجلات المالية المنتمية إلى تلك الفترة أن ثمة مبالغ كانت تدفع، وفواتير كانت تسدد لقاء «السكوريتاه» ـ وهي صكوك التأمين البحري - حيث كان السداد يتم في إطار ما كان يحمل اسم البوتومري ومعناها صيانة أو حماية جسم أو هيكل السفينة.
بيد أن هذا السداد لمبالغ التأمين المستحقة كان يتم وفق أسلوب خاص ظل سائدا في ذلك العصر هو أسلوب القروض المشروطة التي كانت تُمنح للتجار وفق النظام العتيق الذي سبقت البشرية إلى اتباعه منذ أيام حضارة البابليين في بلاد ما بين النهرين ـ العراق القديم.
من هنا كانت شروط التأمين البحري تختلف عن شروط عصرنا الحديث، وكانت تقضي بإلغاء التأمين إذا ما وقع للسفينة مكروه في عرض البحر أو على شواطئ ميناء.
تاجر البندقية
لا عجب أن التاجر البندقي الطيب «أنطونيو» ضاعت عليه «بوليصة» التأمين البحري عندما تحطمت سفنه التجارية فإذا به مدين بأموال القرض للمرابي اليهودي «شايلوك» الذي أراد أن يقتص من جسم أنطونيو رطلا من اللحم البشري.. على نحو ما كانت تقضي به شروط صكّه التأميني اللعين، على نحو ما حكى ويليام شكسبير
وربما كان من حسنات مسرحية العبقري الإنجليزي التي حملت عنوانها الشهير «تاجر البندقية» أن عمد القوم بعدها إلى التحول نحو إبرام عقود أو صكوك تأمين بحري حقيقية ذات أقساط كانت تراوح مدفوعاتها بين 15 و20 في المئة إلى أن انخفضت مع القرن الخامس عشر إلى نحو 10 في المئة.
وفي هذا السياق يحيل مؤلف الكتاب إلى وثيقة التأمين التي حفظتها سجلات الأرشيف لدى التاجر الإيطالي فرانسسكو داتيني (1335 - 1410) وهي تنص على أن القائم بالتأمين يقبل بما يلي:
«أن يتحمل أي مخاطر تكون ناجمة عن إرادة الله أو أحوال البحر أو سلوك المقاتلين أو اندلاع الحريق أو حالة أرصفة الموانئ أو الإيداع في السجن بأوامر من حاكم أو من سلطات مدنية أو أي شخص آخر..
أو تكون ناجمة أيضا عن حالات تمرد أو توقيف أو استخدام قوة الجبروت القهرية بما قد ينتج عنه من خسائر أو أخطار أو سوء الأحوال أو عقبات أو مشاكل فيما عدا عمليات الشحن وأداء المكوس الجمركية.. وذلك إلى أن يتم تفريغ الشحنات في أمان واطمئنان لدى الجهة المقصودة...».
والحاصل أن هذه الصيغة المبدئية لتعاقدات التأمين البحري، بكل ما ارتبطت به من معاملات مالية ونقدية، ما لبثت أن تطورت مع مراحل عصر النهضة في أوروبا ومن ثم في العالم.. إلى حيث أفضت إلى أن أصبحت جزءا أساسيا مما كان يطلق عليه أهل تلك الفترات الزمنية الوصف التالي: لكس ميركا توريا. وهي اللافتة اللاتينية التي بات عالمنا يعرفها باسمها الراهن وهو: القانون التجاري.
مؤسسات التأمين الرائدة
ولأن ركب التطور كان لا بد أن يواصل مسيرته، فقد تحولت صفقات التعامل في ما بين السفن التجارية.. عابرة البحار والمحيطات من أيادي التجار والمقرضين والمرابين.. إلى حيث أصبحت عملية متخصصة أنشأوا من أجلها نوعا أو فصيلا بعينه من أنواع المؤسسات المالية وهو: شركات ـ مؤسسات التأمين.
يوضح المؤلف (ص187) أن الجيل الأول من هذه المؤسسات التأمينية شهدته بالذات العاصمة البريطانية لندن.. لماذا لندن بالذات؟
يجيب مؤلفنا موضحا أن السبب كان يتمثل في ذلك الحريق الهائل المريع الذي اجتاح العاصمة البريطانية لندن في عام 1666 وحمل اسم الحريق الكبير أو الرهيب لأنه أدى إلى تدمير أكثر من 13 ألف مسكن.
لهذا كان طبيعيا أن تمضي 14 سنة فقط على حريق لندن كي يسعى بعدها الإنجليزي الشاطر «نيكولاس باربون» إلى إنشاء أول شركة للتأمين ضد الحريق. في نفس الوقت تسامع بمؤسسة التأمين زبائن مقهى إدوارد لويد في تاور ستريت في لندن (أصبح الشارع يعرف فيما بعد باسم لومبارد ستريت) فكان أن اجتمعت كلمتهم على إنشاء مؤسسة أخرى تتخصص هذه المرة في مجال التأمين البحري وكان ذلك في النصف الأول من القرن الثامن عشر.
نظم التأمين والرفاه الاجتماعي
ماذا إذن عن التأمين على الحياة؟
يوضح كتابنا ـ في سياق هذا الفصل الرابع المتعلق بإدارة المخاطر ـ أن التأمين على الحياة كان معمولا به ربما منذ أيام القرون الوسطى(!) كيف لا وقد كشفت البحوث التاريخية أن دفاتر حسابات التاجر «برناردو كامبي» في مدينة فلورنسة عن إشارات وإحالات تدل على وجود صك (بوليصة) تأمين على حياة كبرى شخصيات المدينة الإيطالية الجميلة؟:
ـ كان هناك مثلا تأمين على حياة البابا نيوكولاس الخامس، وعلى حياة فرانشسكو فوسكاري حاكم البندقية (الدوغي كما يقول لقبه الرسمي)، وعلى حياة ملك أراغون، ألفونسو الخامس.
وقبل أن يروعنا هذا التقدم ـ التاريخي في حكاية التأمين على الحياة.. يبادر مؤلفنا إلى التحذير من المبالغة في الإعجاب.. لماذا؟ لأن التاجر «كامبي» المذكور أعلاه كان يراهن على صحة وحياة خيوله الأصيلة الرامحة بمبالغ طائلة تفوق بكثير كثير.. ما كان يرصده تأمينا على حياة تلك الشخصيات الرفيعة.
في الصفحات الأخيرة من هذا الفصل الرابع من كتابنا يتوقف المؤلف مليا عند أحد المحاور الهامة من هذا الكتاب.. ويحمل المحور العنوان الفرعي التالي: من الحرب إلى الرعاية. أو من خوض القتال ـ إلى نشر الرفاه.
ويبدو أن أصول المؤلف الممتدة إلى اسكوتلندا ـ حيث الشَعْب المجبول على الحرص لدرجة البخل أو على الادخار لمواجهة غدرات الزمان ـ يبدو أن هذه الجذور ظلت تدفعه لكي يعرض ضمن سياق تحليله لتطور دور النقود في حياة البشر ـ إلى أكثر الفئات حرمانا وأشدها تعرضا لتقلبات الدهر وارزائه في أي مجتمع.
هذه الفئات يطلق عليها مؤلفنا البروفيسور «فيرغسون» العبارة التالية: الفئات العاجزة عن إدخار القرش أو الدرهم الأبيض، كما يقولون، كي ينفع في اليوم أو الظرف الأسود.
ثم يردف المؤلف قوله: إن هذا العجز قد يتأتّى من شدة الفقر إلى حد مدقع أو من شدة الاستهانة إلى حد مدمر. وبديهي أن ينتهي الأمر ـ في أرذل العمر ـ بأفراد من هذه الفئات إلى واحد من مصيرين كلاهما بالغ الإيلام:
إما الاعتماد على عطايا المحسنين، أعطوهم أو منعوهم. وإما الإيداع في واحد من ملاجئ العجزة والمعوزين حيث الحياة قاسية والنظم صارمة والظروف السائدة لا تكاد تطاق.
وإذا كان التعيّش على ما تجود به مبادرات الإحسان الخيرية أمرا صعبا.. فالأصعب هو تلك الظروف التي سبقت إلى نشرها صحيفة لندن المصورة في عام 1867 حين عرضت لأحوال الرجال والنساء من رواد ملجأ العجزة ـ «وورك هاوس» على نحو ما يقول به المصطلح البريطاني .
حيث وصفت ظروف معيشة المعاقين والمقعدين والمكفوفين الذين تدفعهم قسوة الفاقة والبرد القارس وندرة الغذاء إلى أبواب تلك المؤسسات التي تشبه السجن في نظمها ولوائحها. مع هذا كله فتاريخ النقود في حياة إنسان العصر الحديث لايزال يحمد للدولة الحديثة ـ اتباعها نظما من قبيل تعميم التأمين الصحي أو الرفاه الاجتماعية على مواطنيها بغير استثناء.
ألمانيا أسبق من بريطانيا
هنا يعمد المؤلف إلى تأكيد أن نظام التأمين الصحي ونظام معاش الشيخوخة التقاعدي لم ينشأ في بريطانيا كما هو متعارف عليه بشكل عام ولكنه نشأ بالأحرى في ألمانيا.
أكثر من هذا يوضح المؤلف أيضا أنه ليس صحيحا أن هذه النظم من التأمين كانت وليدة أفكار وتطبيقات اليسار الاشتراكي.. بل ان العكس هو الصحيح!
هنا تعود بنا صفحات الفصل الرابع إلى نشأة هذه الأفكار والتطبيقات على يد نظام المستشار الشهير «أوتو بسمارك» في ألمانيا في ثمانينات القرن التاسع عشر.. ولم يكن بالبداهة نظاما لا يساريا ولا اشتراكيا بحال من الأحوال..
والحاصل أن بسمارك (1815- 1898) الذي تحققت على يديه كما نعرف وحدة ألمانيا وعمد إلى حكم دولتها بأقصى قدر من الانضباط الألماني أو الحزم البروسي ـ بالحديد والنار.
كما يقول المؤرخون ـ أعلن عن قناعته في تلك الأيام بأن المواطن الذي يستحق معاشا تقاعديا عند تقدمه في العمر، أسهل في التعامل معه من مواطن يفتقر إلى مثل هذا الأمل في سن الشيخوخة.
ورغم أن بسمارك ـ يضيف كتابنا ـ أعلن بذلك تبنيه أفكار الاشتراكية، إلا أن دوافعه في مؤازرة المحرومين المستضعفين كما كان يسميهم كانت أقرب إلى نصيحة مفادها أن مثل هذه الخطوات هي الطريق العملي الميسور لامتلاك مقاليد السلطة.
والمهم أنه كان على نظام تعميم الرعاية الصحية ومعاشات الشيخوخة وتأمينات الرفاه أن ينتظر أكثر من ربع قرن لكي تطبق بريطانيا نظام المعاش التقاعدي في عام 1908 لمن تجاوزوا السبعين، ثم إلى عام 1911 الذي شهد صدور القانون الوطني لتعميم التأمين الصحي على سائر مواطني الجزر البريطانية.
ثم يتحول بنا المؤلف إلى الفصل الخامس ـ قبل الأخير من كتابه.. يركز على ذلك الإحساس الغامر بالأمان عندما ينجح المرء في امتلاك السكن.. وفوق البيعة قد يرنو الانسان أيضا إلى امتلاك مساحات من الأراضي..
تأليف: ينال فيرغسون
الناشر: دار بنجوين، نيويورك، 2009
عرض ومناقشة: محمد الخولي
قطاع النشر / مؤسسة دبي للإعلام
جميع الحقوق محفوظة ©️ 2018 مؤسسة دبي للإعلام

اعداد ماجدة حسين
avatar
ماجدة حسين ربيعة
المشرف العام
المشرف العام

المساهمات : 76
تاريخ التسجيل : 01/04/2011

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى